الشيخ محمد رشيد رضا

155

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه في فلان خيرا . يريد ما فيه خير حتى يعلمه . و « لما » بمعنى « لم » إلا أن فيها ضربا من التوقع فدل على نفى الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل تقول . وعدنى ان يفعل ولما يفعل . تريد ولم يفعل وأنا أتوقع فعله » اه وقد اعترضه من لم يفهمه حق الفهم . وقد تقدم أن النكتة في إيثار ذكر العلم وإرادة المعلوم هي الأشعار بأن العلم إنما يكون علما صحيحا بظهور متعلقه بالفعل وههنا نكتة أخرى خطرت في البال وهي أن التعبير عن نفى ذلك بنفي علم اللّه به عبارة عن دعوى مقرونة بالدليل والبرهان كأنه قال إن كلا من الجهاد والصبر اللذين هما وسيلة إلى دخول الجنة لما يقع منكم أي لم يقع إلى الآن من مجموعكم أو أكثركم بحيث صار يعد من شأن الأمة ، فلا ينافي ذلك وقوعه من بعض الافراد الذين ثبتوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يخالفوا ولم ينهزموا ، إذ لو وقع لعلمه اللّه تعالى الذي لا يخفى عليه شئ ولكنه لما يعلمه فهو لم يتحقق قطعا . ويؤيد تفسير الآية على هذا الوجه قوله تعالى في آية البقرة ( 2 : 214 أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ) الخ أي وإلى الآن لم تصلوا إلى حالهم ولم يصبكم مثل ما أصابهم وقد كانت حالهم تلك مثلا في الشدة . ووجه التأييد ان المنفى هناك هو العمل والحال التي يستحقون بها الجنة ثم إن هذا يوافق أحد الوجوه التي تقدمت في تفسير قوله « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » من حيث إن المراد بالذوات وصفها فالمعنى هناك وليعلم اللّه إيمان الذين آمنوا - وهنا - ولما يعلم اللّه جهاد الذين جاهدوا وصبر الصابرين أي واقعين ثابتين ويصح أيضا أن يكون العلم هنا بمعنى التمييز كما تقدم هناك في وجه آخر ويكون المعنى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة جميعا ولما يميز اللّه المجاهدين منكم والصابرين من غيرهم والجهاد هنا أعم من الحرب للدفاع عن الدين وأهله واعلاء كلمته . قال الأستاذ الامام : ربما قائل يقول إن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية . ونقول : نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ، ومنه جهاد النفس الذي روى عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر وذكر من أمثلة ذلك مجاهدة الانسان لشهواته لا سيما في سن الشباب ، وجهاده بماله ، وما